حسن الأمين

153

مستدركات أعيان الشيعة

عرش السلطة وضعت تحت أقدامك جميع الوعود والايمان وعملت بجميع الحيل ضد المشروطية . وقد تجلى لنا خطانا فيك حيث سعيت أن تجعلنا آلة بيدك ضد المجلس . . . والآن سمعنا أنك أرسلت إلينا أحد رجالك المقربين لشراء ذممنا بالذهب ، ولست تعلم أن سعادة الشعب أثمن كثيرا من ذهبك . . . إن ذكرك للدين والشريعة كذب وهراء أردت بكذبك هذا إغفال البسطاء المتمسكين بالدين لتمنع الدستور وتجعل الناس في ذل وفقر . وعلى هذا أنت عدو للدين المقدس وخائن للوطن وتشبه السارق الذي يسرق الناس باسم الدين والشريعة . . . إنك أنت والمجتهدون المرتزقة الذي يدعون بمخالفة المشروطية للشرع يتجاهلون حقيقة الدين بان العدالة شرط حتى في الأمور الجزئية . . . وإذا حصل تأخر منك عما قلنا فإننا سوف نحضر جميعا في إيران ونعلن الجهاد ضدك . ولنا في إيران اتباع كثيرون ، والمسلمون كثيرون أيضا . فإننا أقسمنا على ذلك ( 1 ) . الوضع في كربلاء كان الوضع في كربلاء يختلف عن الوضع في النجف من بعض الوجوه ، فقد كان في كربلاء حين ذاك واعظ إيراني من أنصار الاستبداد اسمه السيد أكبر شاه ، وكان خطيبا مصقعا له لحية طويلة وتأثير قوي على العامة . إنه كان يعظ ضد المشروطية قبل إعلان الدستور العثماني ، وظل يخطب بعد إعلانه من غير أن يخشى أحدا . وفي شهر آذار من عام 1909 وصل إلى كربلاء واعظ إيراني من المشروطيين اسمه الشيخ جواد ، وبدأ منذ ذلك الحين نزاع شديد بين الرجلين من على المنابر . وانقسم أهل كربلاء إلى فريقين ، كل فريق التزم واعظا ، وصار يكفر بعضهم بعضا . كان قتل الحسين ( ع ) من المواضيع التي اتخذها الفريقان مستندا لهما في الجدل . فانصار المشروطية يعتقدون أن الحسين إنما قتل بسيف الاستبداد وأنه لو كان نظام المشروطية سائدا في زمانه لاختاره المسلمون خليفة عليهم بدلا من يزيد . أما أنصار الاستبداد فرأيهم أن المشروطية تعني الشورى وأن الشورى هي التي أدت إلى ضياع الخلافة من أهل البيت ووصولها إلى رجل مثل يزيد . نشرت جريدة الرقيب البغدادية في 1 نيسان 1909 وصفا لما كان يحدث في كربلاء من جدال بين الشيخ جواد والسيد أكبر شاه ، ومضمون ما ذكرته الجريدة هو : أن الأحرار الإيرانيين والعثمانيين استبشروا بوصول الشيخ جواد إلى كربلاء ، فغص الجامع بالناس لسماع خطبه المؤثرة ، وقد ذكر الشيخ ما أمر به النبي من إجراء العدل والمساواة ، ثم أشار إلى أن الحسين لم يقتل إلا بسيف الاستبداد ، وعند هذا قام أحد أركان « المستبدين » يرد على الشيخ ويثلبه ، وهو لم يجرؤ على ذلك من تلقاء نفسه « لأنه أحقر من ذلك » بل كان مدفوعا من قبل حزبه الذين * ( « يريدون ليطفئوا نور الله » ) * ولولا حضور وكيل المتصرف لحصل ما لا يحمد عقباه ، وفي اليوم التالي حضر الشيخ جواد « رغما عن أركان حزب التقهقر » يحيط به الأحرار « إحاطة الهالة بالقمر . . . فرمى الله بالذل والخزي أولئك الأضداد لكل فضيلة ، وعند ذلك تهللت وجوه الأحرار . . . وتكلم الخطيب بما خطر له من مدح العدل وقدح الظلم ، والثناء على الأحرار والطعن في المستبدين الأشرار ، فلم يستطع من أولئك الظلمة أحد أن يفوه بكلمة . . . ( 2 ) أمرت الحكومة السيد أكبر شاه أن يغادر كربلاء إلى الكاظمية ، وقد علقت جريدة الرقيب على ذلك في 5 نيسان حيث تساءلت عن الفائدة من نقل هذا الواعظ من مدينة إلى أخرى داخل العراق وهل أن ذلك سيرفع الضرر الناتج عن خطبه المثيرة الداعية إلى مبادئ الاستبداد والظلم ؟ ! يبدو أن الجريدة كانت تريد من الحكومة أن تبعد الواعظ إلى إيران وتنقذ العراقيين من شره . الفوضى في إيران كان الإيرانيون يعتقدون أن المشروطية عند تطبيقها في بلادهم ستكون علاجا ناجعا لجميع مشاكلهم فلا يشكون بعد ذلك من شيء ، ولكنهم وجدوا بعد انتصار حركة المشروطية وعزل الشاه محمد علي أنهم وقعوا في حالة هي أسوأ مما كانوا فيها . أصبح كل من ساهم في الحركة طامحا أن ينال أعظم المناصب مكافاة له على جهاده في سبيل « الملة » ، وظهرت عصابات اللصوص في كثير من الأنحاء يعبثون بالأمن ويقطعون الطرق ، وامتنع حكام الأقاليم عن إرسال ما عليهم من مبالغ للخزينة المركزية ، وانقسم الناس شيعا وأحزابا كل حزب يعتقد أن رأيه هو الذي يجب أن يتبع في إصلاح البلاد . إن قبائل البختيارية حصلت من تلك الفوضى على حصة الأسد ، فقد احتلت مدينة أصفهان بحجة حماية الثورة ، واستحصلت من الخزينة المركزية مبلغا شهريا قدره عشرون ألف تومان بدعوى حراسة الطريق ، وذلك علاوة على ما كانت تجبي من الناس من ضرائب مباشرة . ومن الطرائف التي رويت في هذا الصدد أن لصا من قطاع الطرق اسمه نائب حسين الكاشاني نهب ذات مرة أحد البختياريين وقال : إن هذه هي حصتي من الغنائم . وكانت جلسات المجلس الملي تمثل أعجب المشاهد وأدعاها للسخرية ، فقد كان الجدال بين النواب عنيفا والشتائم متبادلة ، وكثيرا ما شارك المستمعون فيها ، وكان كل نائب يريد أن يخطب بحماسة لينال إعجاب الغوغاء ، حتى إذا خرج من المجلس توقع أن ينال من أهل الأسواق حمدا وتقديرا . وإذا كان النائب شديد التعصب جهوري الصوت استطاع أن يغلب الآخرين ، في الجدال ، ثم يدعي بعدئذ أن الحكومة لم تأخذ برأيه ولو كانت قد أخذت به لا رتقت إيران إلى مصاف الدول العظمى . كتب الوزير المفوض البريطاني إلى حكومته يقول ما مضمونه . إن الإيرانيين سيبقون إلى مدى جيلين غير جديرين بالنظام الدستوري . وقد علق أحد البريطانيين الذي كانوا يسكنون في طهران يوم ذاك على هذا القول إذ وضع اللوم على بريطانيا واعتبرها مسؤولة عن نشر الديمقراطية في البلاد التي لا تصلح لها . . . من الأعمال التي تورط بها أنصار المشروطية عند انتصارهم أنهم شنقوا المجتهد الكبير الشيخ فضل الله النوري ، وكان شيخا وقورا كبير السن ، وقد قام بشنقه على ملأ من الناس رجل أرمني اسمه يفرم كان مديرا للشرطة

--> ( 1 ) ن م ص 26 - 27 . ( 2 ) عبد الله الفياض ( الثورة العراقية الكبرى ص 99 - 100 .